عبد الصمد القليسي:بعد ثلاثين عاما من سماعه لشاعر الربابة يؤدي سيرة الأمير اليمني سيف بن ذي يزن؛ كتب الأديب العربي الراحل محمد فريد أبو حديد وهو مولود في العقــد الأخير من القــرن التاسع عشر ( 1893 ) روايته "الوعاء المرمري" التي صاغ فيها تلك الحكاية الشعبية بصورة أدبية متفردة. وقفت طويلا عند الفقرة التالية من مقدمة الرواية التي تقول:
" كان ويلسون رئيس الولايات المتحدة قد أعلن شروطه الأربعة عشر، فتنفسنا ارتياحا وحسبناه نبيا، وحسبنا أن تلك الشروط تصبح الأساس المتين لعالم جديد نستطيع أن نحيا فيه مع أمانينا. وكنا نحفظ ألفاظها حرفا حرفا ونردد عباراتها بقلوب واجفة مترددة بين الأمل والخوف. وسألنا أنفسنا مرة بعد مرة: أحقا يقوم عالم جديد على مثال هذه المعاني العليا؟". مررت على المواقع الإلكترونية للتعرف على ذلك الرئيس الأميركي وشروطه للعــلاقات الدوليــة التي أعلنها بعد الحـرب العالمية الأولى (1914) وفيها الكثير مما يعالج قضايا تلك المرحلة، لكنني لن أذكر إلا المبادئ التي اعتبرها الكاتب ثوابت تحتكم إلى الأمر الواقع؛ ومنها:
1- لا مؤتمرات سلم مغلقة أو اتفاقات خاصة وسرية بين الأمم, بل دبلوماسية تسعى في المستقبل لتأمين ما يراه الجميع ويرضون عنه.
2. إزالة ما أمكن من العقبات الاقتصادية والمعاملة بالمثل من قبل جميع الدول المشتركة في إقرار السلم.
3- إيجاد الضمانات الناجعة لفرض حد أدنى من التسلح والاكتفاء بما يلزم لحفظ الأمن الداخلي.
4- تسوية أوضاع المستعمرات مع وجوب مراعاة مصالح الشعوب المستعمِرة والدول المستعمَرة.
ومع أن الكاتب وأقرانه كانوا مغتبطين بتلك الشروط فإنه لم يلبث أن عبر عن خيبة أمل ذلك الجيل بالوعود الأميركية التي أراها اليوم خائبة في التناقض الواضح بين ما يقوله الرئيس الأميركي "أوباما" وما تفعله الإدارة الأميركية. وسأترك للأستاذ فريد أبو حديد أن يقول ما أريد قوله. وهو نص مكمل للفقرة التي كتبها والتي تجدونها في أول هذا الكلام. يقول الراوي:
" لكن الواقع الذي شهدناه بعد ذلك ولمحنا اتجاهاته كان في كل يوم يكذب آمالنا ويزيد مخاوفنا وضوحا. فما السبيل إلى الخلاص من المخاطر البشعة التي تهدد حياتنا؛ ونحن من أمة تحس وجودها؟ كنا نحس وجودنا في الحاضر كما نحس وجودنا في القديم، ولكنا كنا لا نرى المخاوف تزداد في كل يوم إلا تجسما".
ومع أن شروط ويلسون ـ التي ذكرتها ـ كانت تعتبر الاستعمار أمراً طبيعيا؛ لكنها اشترطت ما لم يتحقق وهو: وجوب مراعاة مصالح الشعوب والدول المستعمَرة. (فهل تحقق ذلك؟) ثم: "إزالة ما أمكن من العقبات الاقتصادية والمعاملة بالمثل من قبل جميع الدول المشتركة في إقرار السلم".. فأين هذا الكلام مما نحن فيه من نظام الحصار الاقتصادي وقوانين العقوبات؟
وأخيرا فإن الشرط الذي ينص على "إيجاد الضمانات الناجعة لفرض حد أدنى من التسلح والاكتفاء بما يلزم لحفظ الأمن الداخلي"، أمر مستحيل دون أن تُغـلَق مصانع السلاح وفكرة سباق التسلح.
أما قول ويلسون أن "لا مؤتمرات سلم مغلقة أو اتفاقات خاصة وسرية بين الأمم, بل دبلوماسية تسعى في المستقبل لتأمين ما يراه الجميع ويرضون عنه" فقد تحقق له ما أراد؛ بل أكثر مما أراد. فهي لم تعد سرية ولا واضحة؛ بل فضيحة تُسَوق في أرجاء العالم بالقوة. غير أن كلمة (الجميع) التي وردت في شروطه لم تحدد من هم هذا الجميع. هل هي الشعوب المُحتَلة أم الأنظمة التي تحكمها؟
ولم تتوقف الإدارة الأميركية عن بيع الأوهام للعالم، ولم يكن ظهور المسيحي المسلم الأسود "أوباما"؛ إلا آخر ورقة في لعبة "البوكر" الأميركية. وسنبقى على أوهامنا كما كنا قبل قرن من الزمان؛ وأكثر مما كنا. فالمال والإعلام يحرضنا على المضي في هذا الوهم. وسنحتاج إلى قرن آخر ليقتنع من بعدنا أننا عطاشا نمضي نحو سراب!