فعلى الرغم ممّا قد يبدو إجماعاً على أهميّة تقليص الحكم المركزي وتوسيع صلاحيات الحكم المحلي، لا يمكن تجاهل شعور العديد من المهتمين والمراقبين تجاه ضبابية النتائج المرجوّة من ذلك، خاصة إذا ما نظرنا إلى واقعنا الاجتماعي والسياسي المعاصر، بكل ما فيه من فساد واختلالات، مقارنة بالآمال والطموحات التي ظل ينشدها اليمنيون.
إن الفساد اليوم، بمفهومه الواسع، لم يعد مركزياً فقط، بل أصبح –للأسف- متأصلاً أيضاً في الأقاليم المختلفة من البلاد. وبالمعايشة اليومية والإطلاع على أحوال الناس في القرى والمُدن الصغيرة، وبقراءة متأنية لحالة التراجع المنتظم لوعي أفراد المجتمع، نخبة وعامة على السواء، والحضور القوي والمتزايد لمجمل السلوكيات الخاطئة المستمدة من تراث ماضوي مشبع بالجهل والأمية، يجد العديد من السياسيين والأكاديميين أنفسهم أمام مخاوف من أن يتحول الحكم المحلي واسع الصلاحيات إلى مجرد فساد محلي واسع الفوضى. وبدلاً من "تعزيز اللحمة الوطنية" المبنية على أساس ما يوفره التنوع من ثراء اجتماعي، يتم تعزيز المناطقية بمفهومها السلبي،وبما ينتج عن ذلك من إضرار كبير بمصالح الناس وحقوقهم المدنية وفرصهم المتساوية في العمل والإنتاج.
وبدلاً من القضاء على، أو الحد من، الفساد والترهل الإداري في المؤسسات المركزية، قد نجد أنفسنا أمام انتشار واسع للفساد والخلل الإداري، ربما بزخم أكبر، داخل المؤسسات اللامركزية.
وهناك بالفعل من يستحضر التجربة المعاصرة للحكم المحلي، ليجد أداء إداريا فاشلا، ومستوى إنتاج ضئيل جداً على أرض الواقع وليستنتج أن هذه التجربة ربما أفضت إلى ركود تام، إذ تحوّلت بعض المجالس المحلية، بكوادرها غير المؤهلة، إلى غرف إدارية مصغّرة للفساد.
وبدون أي إستراتيجية للعمل، عززت هذه المجالس من ظهور ثقافات وسلوكيات خاطئة (متوارثة) في الإدارة والحكم، لا تنفع الناس بقدر ما تقوم به من تنمية للضغائن، وفتح الفجوات الاجتماعية، لا ترميمها.
لقد باتت قضية تأهيل القيادات في السلطة المحلية أمراً مهماً للغاية، إلى جانب وضع الضوابط والشروط للمرشحين في انتخابات السلطة المحلية التي من شأنها ضمان نجاح الكوادر المتخصصة والمؤهلة إدارياً.
وكنت في إحدى المناسبات التي جمعتني بعدد من المثقفين طرحت تساؤلا عن مدى تفاعل هذا الوسط مع قيادات مجالسهم المحلية في المُدن أو القرى، وكانت النتيجة أن الغالبية العظمى منهم لا يعرفون أي شيء عن مجالسهم المحلية أو أياً من قياداتها. وإذا كان هذا هو الحال مع الطبقة المثقفة فما بالك بالآخرين من عموم الناس!
لا شك أن نجاح الحكم المحلي الذي نطمح إليه مرهون بثقافة شعبية سليمة وبوعي سياسي متقدّم يمّكن الناس من السعي الجاد لتحقيق مصالحهم العامة. ولا شك أن الغالبية تتفق معي في أن مثل هذا الوعي ما يزال ضعيفاً، إن لم يكن مفقوداً تماماً، كما أن المناخ الملائم لنجاح التجربة ما يزال مبهماً.
إن من يستشهدون بنجاح تجربة التعاونيات في سبعينيات القرن الماضي لا بُد أنهم يدركون حجم التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها اليمن خلال تلك الفترة، وهو ما يجعلنا نتساءل فيما إذا كان الحكم المحلي واسع الصلاحيات هو "الموديل الوحيد" للخروج من الأزمة الراهنة، وحل مشاكل الناس، على الأقلّ في هذه المرحلة الزمنية من تاريخنا المعاصر! أم أن علينا أولاً العمل على تهيئة المناخ السياسي والاجتماعي المناسب، بما يستدعيه ذلك من السعي لحل المشاكل المتراكمة للحكم المركزي، قبل الولوج في ما قد يتحول إلى مغامرة سياسية واجتماعية أخرى، شبيهة مثلاً بسياسات الخصخصة غير المدروسة التي انتهجتها الحكومة قبل أعوام، والتي أثبتت فشلها وتبعاتها السلبية على اقتصاد البلاد.
إن السؤال الذي يفرض نفسه بهذا الخصوص، ونحن على أعتاب مؤتمر جديد للسلطة المحلية، هو: ما هي الضمانات الملموسة لنجاح تجربة توسيع الحكم المحلي؟ وهل يكفي فقط أن نثق بما يبدو لنا منطقياً (أي إيجابية الحُكم المحلي)، أم أن للواقع المعاش ظروفا زمنية خاصة جديرة بأن تؤخذ بعين الاعتبار؟